محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

280

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقال الحسن : « عقوبة العالم موت القلب فقيل له : وما موت القلب ؟ قال : طلب الدنيا بعمل الآخرة » . فإذا انضاف إلى هذا الغرض أن يتصدّى به إلى تولّي الأعمال السلطانية كائنة ما كانت ، أو يتوصّل به إلى اكتساب مال من حرام أو شبهة ، فقد تعرّض لغضب اللّه تعالى وسخطه وباء بإثمه وآثام المقتدين به ، وكان الجهل إذ ذاك خيرا له من العلم وأحمد عاقبة . وقال أبو عمر بن عبد البرّ ، رحمه اللّه تعالى : « . . وروينا عن الأوزاعي « 1 » ، رضي اللّه عنه ، قال : شكت النواويس إلى اللّه عزّ وجلّ ، ما تجد من نتن جيف الكفار ، فأوحى اللّه تعالى إليها : « بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه » قال : وروينا عن الفضيل بن عياض ، وأسد بن الفرات « 2 » ، قال : بلغني أن الفسقة من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان « 3 » ، قال الفضيل بن عياض ، رضي اللّه عنه : لأن من علم ليس كمن لم يعلم » . قلت : والغالب على طلبة العلم في هذه الأعصار هذا الوصف المذموم ؛ لأن حبّ الدنيا قد استولى عليهم واستهواهم ، والحرص على التقدّم والترؤس قد ملكهم فأصمّهم وأعماهم . ولذلك أمارات وعلامات لا تحصى ولا تخفى ، وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يخرج في آخر الزمان رجال يختلسون الدنيا بالدين ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم قلوب الذئاب ، يقول اللّه تعالى : أبي تغترّون ، أم عليّ تجترئون ، فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك فتنة تدع الحليم منهم حيران » « 4 » رواه أبو هريرة رضي اللّه عنه . وروى أبو الدرداء ، رضي اللّه تعالى عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أنزل اللّه

--> ( 1 ) الأوزاعي ( 88 - 157 ه - 707 - 774 م ) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي ، أبو عمرو إمام الديار الشامية في الفقه والزهد ، وأحد الكتاب المترسلين ، ولد في بعلبك ونشأ في البقاع وسكن بيروت وتوفي بها . وعرض عليه القضاء فامتنع ، له كتاب « السنن » في الفقه . ( الأعلام 3 / 320 ، وشذرات الذهب 1 / 241 ، ووفيات الأعيان 3 / 127 ) . ( 2 ) أسد بن الفرات ( 142 - 213 ه - 759 - 828 م ) بن سنان مولى بني سليم ، أبو عبد اللّه قاضي القيروان وأحد القادة الفاتحين . أصله من خراسان . ولد بحرّان ، ونشأ بالقيروان ثم بتونس ، ورحل إلى المشرق في طلب الحديث ، ثم ولي قضاء القيروان ، وكان شجاعا حازما صاحب رأي . فتح جزيرة صقلية ، وهو مصنف « الأسدية » في فقه المالكية . ( الأعلام 1 / 298 ، ومعالم الإيمان 2 / 2 - 17 . ( 3 ) الوثن : التمثال يعبد ، مما يتخذ من الخشب أو الحجارة أو النحاس أو غيرها . ( 4 ) أخرجه الترمذي ( زهد ، 60 ) .